حيدر حب الله
475
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الذي له آثار خاصّة في الشرع ، كعدم جواز الرجوع ، والذي به يمتاز عن الهبة والنحلة ، وحيث لا ترجّح في الأحاديث للزكاة والوقف ، لم يعد يمكن اشتراطهما بالقربة ، والقدر المتيقن من الاشتراط هو المفهوم الثالث للصدقة . ولمزيد تقريب للفكرة نقول : اليوم عندما نطلق كلمة الصدقة في العرف المتشرّعي بين الناس ، فلا ينصرف ذهنهم إلى مطلق الزكاة ولا مطلق الخمس ولا مطلق الخراج ولا مطلق الأنفال ولا مطلق الأوقاف ، بل ينصرف للعطاءات الخيريّة التي تُعطى للمحتاجين ، ولا تمثل هبةً أو نحلة ، بل هي مفهوم عطائي آخر ، لا يصحّ الرجوع فيه ويكون منبوذاً هذا الرجوع ، وما ندّعيه هنا هو أنّ هذا المفهوم ربما يكون هو المقصود من الأحاديث ، والتي وجدناها لا تتصل بحسب سياقاتها بالزكاة . ومعه يصعب الاعتماد على هذه الروايات لإثبات شرط القربة في كلّ شيء أطلقت الشريعة عليه عنوان الصدقة ، فإنّ الإطلاق متعدّد ولا يحرز اتحاده . وخلاصة إشكالنا هو ادّعاء تعدّد معنى الصدقة في اللغة بعد العصر الإسلامي ، على الزكاة ، وعلى الوقف ، وعلى نوع خاص من العطاء ، له أحكام خاصّة ، وعُرف بالصدقة ، وهو مشروطٌ بالقربة ، ومعه لا يُحرز في هذه الروايات إرادتها مطلق ما سمّي بالصدقة واستعمل تعبير الصدقة فيه ، بل خصوص المعنى الثالث لها . ثانياً : قد يبطل الاستدلال بهذه الأحاديث ، من حيث إنّ لسانها متداول في نفي الكمال ، لا في نفي الصحّة أو نفي الوقوع ، مثل : « لا صلاة لجار المسجد . . » ، بل قد ورد في الحديث عن الصدقة نفسها : « لا صدقة وذو رحم محتاج » « 1 » ، مع أنّ الصدقة بكلّ معانيها تجوز ولو كان ذو الرحم محتاجاً .
--> ( 1 ) كتاب من لا يحضره الفقيه 2 : 68 ، و 4 : 369 .